Make your own free website on Tripod.com

 

 

عالم من دون رياضيات هو ـ بكل بساطة ـ عالم من دون منطق

 

 

 

عندما كنت طالبا في دار المعلمين خالجني سؤال عن سبب تدريس الرياضيات. وقد اقض مضجعي زمنا، ولكنني أحجمت عن طرحه على أستاذ تلك المادة لأسباب متنوعة، أولها علاقتي المتوترة ببعض الأساتذة الآخرين، وخصوصا في مادتي التاريخ وعلم الاجتماع التي كانت مفاهيمي لهما تختلف مع مفاهيم مدرسيهما إلى حد التناقض، وثانيا العلاقة المتوترة مع الإدارة نفسها بسبب نشري مقالات "غير شرعية" في ملحق النهار آنذاك. فطلاب دار المعلمين كانوا يعتبرون بمثابة موظفين، وبالتالي كانوا يخضعون لقانون الموظفين الذي يمنع نشر مقالات موقعة من دون موافقة الرئيس المباشر عليها.

وسبب إحجامي كان خشيتي أن يظن مدرس تلك المادة أنني أطعن في الرياضيات نفسها، وبالتالي في تدريسها، مع أن رغبتي كانت في الواقع هي مجرد الحصول على رد علمي على السؤال. وفي أحد الأيام قررت أن أطرح السؤال مهما كانت النتائج معتبرا أن هذه القشة لن تقصم ظهر العلاقات المتوترة أساسا.

 

ولدهشتي رحب الأستاذ بالسؤال قائلا انه كان ينتظر أن يطرحه أحد الطلاب، وخصوصا في دار المعلمين، إذ يفترض أن يعرفوا، وبعضهم سيدرّس الرياضيات حتما، ما الغاية من تدريس هذه المادة. وأضاف قائلا: ثمة هدف واحد ووحيد لتدريس الرياضيات لسائر الطلاب في المراحل التعليمية قبل الجامعية وهو تنمية "المنطق" لديهم، والمنطق هو من أهم القوى العقلية التي يتمتع بها الإنسان، لأنه القوة التي تربط عمل سائر القوى العقلية من تحليل واستنتاج وحفظ وخلق الخ. . .، وعلى الربط الصحيح بينها تتوقف درجة النمو العقلي.

 

وتابع: من أهم ميزات المنهج التربوي الفرنسي انه يشدد على هذه الناحية لا في مادة الرياضيات وحدها وهي المؤلفة من حساب وجبر وهندسة بل في مواد الفيزياء والكيمياء. وحل المعادلات الفيزيائية والكيميائية هو عمل رياضي بالدرجة الأولى. ثم أضاف قائلا إن اللغة لها دور في هذا المجال أيضا، وأعطى مثالا على ذلك اللغة الألمانية التي تبلغ نسبة "التقعيد" فيها، أي اعتماد القاعدة من دون شواذ لها، نسبة تفوق ال 99 بالمئة، مؤكدا أن لهذه اللغة دورا أساسيا في ما يعرف عن الشعب الألماني من الذكاء والتفوق في كافة مجالات العلوم والفنون والفلسفة وعلم الأخلاق.

وأنهى حديثه بالقول إن الرياضيات هي أساس كل شيء تقريبا من الشعر إلى الموسيقى إلى الرسم إلى الفلسفة والأدب، مؤكدا أن البارع في الرياضيات لا بد أن يبرع في مجال آخر أو أكثر. أما الفاشل في الرياضيات فيندر أن يحالفه النجاح في أي شأن آخر.

 

نتذكر كلام أستاذنا العزيز كلما سمعنا خبرا تربويا من نوع أن بعض الطلاب في الولايات المتحدة واستراليا ينهون مرحلة التعليم الثانوي ويـبقون شبه أميين، أو كلما تناهى إلينا إحصاء على شاكلة أن عشرة بالمئة فقط من الطلاب ( على المستوى الوطني) قد اجتازوا بنجاح امتحانا بسيطا في الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء، وأولا وأخيرا كلما شاهدنا عملا سلوكيا لواحد أو واحدة من نتاج هذا المنهج التربوي الأنكلوساكسوني الذي نزل بالتربية إلى أدنى الدركات والذي لا يصح أن يستمر كما هو خلال القرن الحادي والعشرين.

 

إضافة إلى الترفيع الآلي الذي تحدثنا عن مساوئه أكثر من مرة، استغنى هذا المنهج التربوي عن معظم خدمات الرياضيات والفيزياء والكيمياء، بحجج مختلفة، ولكنها ذات مصدر واحد: التقليل من المواد النظرية وزيادة المواد التطبيقية. والسبب هو طبعا أن المواد النظرية لا فائدة لها. وساعد على ذلك التطور الإلكتروني الذي أدى إلى انتشار الآلات الحاسبة والكومبيوترات فصار بإمكان الطلاب الحصول على جواب المسألة دون المرور بمراحل حلها خطوة خطوة.

 

والواقع أن هذه الحجج هي أسخف من أن يصرف الإنسان وقتا في مناقشتها. ولكنها أخطر من أن تترك من دون معالجة. فتبسيط مسألة "التطبيق" إلى مجرد العمل اليدوي، وبالتالي اعتبار العمل العقلي شأنا نظريا وحسب هو مغالطة فادحة وفاضحة.

 

إن العمل اليدوي التطبيقي مطلوب ومرغوب في كل مجالات التعليم التي تتطلب مهارة يدوية، أي في سائر المهن، من الحدادة إلى النجارة إلى الطهي إلى آخره، ولكن العمل اليدوي نفسه يتم نتيجة أوامر يوجهها الدماغ إلى أعضاء الجسم كافة، بما فيها اليدان، ومن هنا ضرورة تنمية القوى العقلية، وفي مقدمتها المنطق، لكي تأتي أوامر الدماغ على أفضل ما يرام. وهذه المهمة لا تستطيع أن تقوم بها بفعالية وسرعة نسبية سوى الرياضيات، أي الحساب والجبر والهندسة، التي يؤدي اختلافها وتكاملها في آن إلى تنمية معظم القوى العقلية التي يتمتع بها الإنسان، وهي أكثر من أن تحصى بكاملها في هذه العجالة، ولكننا سنذكر ما يحضرنا منها الآن: المنطق، التحليل، الاستنتاج، الربط، الترتيب، التنظيم، التوقيت، الفهم، الخلق، الاستيعاب، التركيز، التنسيق، الافتراض، الحفظ، الخ. ومن هنا القول إن الشخص البارع في الرياضيات سيكون بارعا في أي شان آخر، لأن قواه العقلية تكون قد نمت بالشكل السوي المتكامل، وعلى رأسها المنطق الذي هو بمثابة الرابط بينها كلها..

 

من المحزن أن يرى الإنسان سلوك الشباب والشابات الذين ينتجهم النظام التربوي الانكلوسكسوني في أميركا واستراليا وبريطانيا، وسواها من البلدان التي سارت أو هي سائرة على الطريق نفسها. فإضافة إلى النتائج التي يحصّلونها في نهاية الدراسة الثانوية، وهي دون المستوى المعقول بما لا يقاس، فان سلوكهم نفسه يؤكد أن ثمة شيئا أساسيا ينقصهم وهو ببساطة المنطق.

أجل!!

أين المنطق فيما يلبسون، وفي تسريحات شعرهم، وفي الموسيقى والأغاني التي إليها يستمعون. بل أين المنطق فيما يقومون به إذا حضروا حفلة لواحد من مغنيهم المفضلين، وما علاقة الصراخ وشد الشعر بالاستمتاع بالموسيقى والغناء؟

انظر إليهم كيف يقودون سياراتهم، وكيف يسيرون في الشوارع. أنظر إليهم في مباراة رياضية، حتى ولو لم تنته بعدد من القتلى والجرحى.

والأخطر من ذلك كله هو عدد الجرائم والاعتداءات التي تحصل والتي لا يعتقد أحد أن القائمين بها أناس أتوا من المريخ.

 

أما العلاقات العائلية والاجتماعية فإلى تفسخ مريع، وصفات من نوع قبول الآخر وروح الوفاق والمصالحة والتفهم والتفاهم أمور باتت أثرية. وسمة العصر هي الخلاف لأتفه الأسباب، والتضحية بالعائلة والأطفال أي الطلاق اسهل بكثير من الزواج والإنفاق على حفلات أشبه بمهرجانات لا معنى لها.

 

و . . . و . . . إلى آخر ما هناك .

الخلاصة، إن بلدانا مثل الولايات المتحدة واستراليا وبريطانيا وكل الناطقين بالإنكليزية هم آخر من يجب أن يلغوا دور الرياضيات من مدارسهم. لو فعل الألمان ذلك لكان لهم بعض العذر، لأن تعلم لغتهم، بقواعدها الصارمة التي لا جوازات فيها، يكفي إلى حد ما لتنمية الصفات والقوى العقلية. ولكن اللغة الإنكليزية التي لا يتجاوز عدد قواعدها عدد أصابع اليد، والتي ارتأى معدو المناهج التربوية الانكلوساكسونية أن لا حاجة إلى تدريس شيء اسمه قواعد اللغة (grammar) ، وبالتالي فان كل ما يقوله الناطقون بها (تقريبا)هو صحيح، هذه اللغة لا يمكن أن تلعب أي دور في تنمية القوى العقلية ، فإذا أضيف إلى ذلك تبسيط مادة الرياضيات والاستغناء عن معظمها، كانت المصيبة الكبرى . وان ما تعيشه هذه البلدان هو مصيبة بالفعل.